محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

200

الآداب الشرعية والمنح المرعية

عليه إلا أن يظهر ما يعرفه كأصوات المزامير والعيدان فلمن سمع ذلك أن يدخل ويكسر الملاهي وإن فاحت روائح الخمر فالأظهر جواز الإنكار وسيأتي كلام ابن عقيل فيه في فصول اللباس . قال ابن الجوزي : قال المفسرون والتجسس البحث عن عيب المسلمين وعوراتهم فالمعنى لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه ليطلع عليه إذا ستره اللّه عز وجل . وقيل لابن مسعود : هذا الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرا ، قال : إنا نهينا عن التجسس فإن يظهر لنا شيء نأخذ به انتهى كلامه . وقال عبد الكريم بن الهيثم العاقولي : سمعت أبا عبد اللّه يسئل عن الرجل يسمع صوت الطبل والمزمار لا يعرف مكانه ، فقال : وما عليك وما غاب عنك ؟ فلا تفتش . ونقل يوسف وغيره وما عليك إذا لم تعرف مكانه . وقال محمد بن أبي حرب : سألت أبا عبد اللّه عن الرجل يسمع المنكر في دار بعض جيرانه ؟ قال : يأمره فإن لم يقبل يجمع عليه ويهول عليه . ونقل جعفر فيمن يسمع صوت الغناء في الطريق ، قال : هذا قد ظهر ، عليه أن ينهاهم ورأى أن ينكر الطبل يعني إذا سمع صوته . قيل له مررنا بقوم قد أشرفوا من علية لهم يغنون فجئنا صاحب الخبر أخبرناه فقال : لم تكلموا في الموضع الذي سمعتم ؟ فقيل : لا ، قال : كان يعجبني أن تكلموا ثم قال لعل الناس كانوا يجتمعون وكانوا يشهرون . وهذا معنى ما ذكره الأصحاب في باب الوليمة أنه يلزم القادر الحضور والإنكار وإلا لم يحضر وانصرف . وقال القاضي في المعتمد : ولا يجب على العالم والعامي أن يكشف منكرا قد ستر بل محظور عليه كشفه لقول اللّه تعالى : وَلا تَجَسَّسُوا [ سورة الحجرات : الآية 12 ] . وقال الشيخ تقي الدين ومن كان قادرا على إراقة الخمر وجب عليه إراقتها ولا ضمان عليه ، وأهل الذمة إذا أظهروا الخمر فإنهم يعاقبون عليه أيضا بإراقتها وشق ظروفها وكسر دنانها وإن كنا لا نتعرض لهم إذا أسروا ذلك بينهم . وهذا ظاهر في إنكار المنكر المستور ولم نجد فيه خلافا ومعناه كلام صاحب النظم ، قال في الرعاية بعد كلامه السابق . وقيل : من علم منكرا قريبا منه في دار ونحوها دخلها وأنكره . وقال صاحب النظم : المستتر من فعله بموضع لا يعلم به غالبا - إما لبعده أو نحوه - غير من حضره ويكتمه ، وأما من فعله بموضع يعلم به جيرانه ولو في داره فإن هذا معلن مجاهر غير مستتر .